عرض مشاركة واحدة
قديم 29-11-2003, 03:09   رقم المشاركة : 1 (permalink)
siAsi





siAsi غير متواجد حالياً

siAsi is on a distinguished road

صفحاتٍ نفذت من أقطار الزمن ..< عقول >..

كانت مشاهدته لسلوك قطٍ متوحش حُشِر مع رضيع في غرفة صغيرة نقطة انطلاق نحو مسيرة حافلة بالبحث والتقصي المُتعب , فقد خالف ذلك القِط توقعاته ولم يحاول المساس بالرضيع على الرغم من توحشه . حدث ذلك وعمره لم يتجاوز السادسة بعد .
أحمد , فتىً يافع تبدو عليه سمات العبقرية , يصفه من حوله بذو الأسئلة الغريبة . كيف لا وهو من يطرح عجباً على نحو : هل للقطط عقول تُفكر بها ؟ وماهو مستوى ذلك التفكير ؟ وهل يفوق تفكير الإنسان ؟ .

لازال يتذكر وهو في الثامنة مجلِسهُ أمام جده الطاعن في السن يتجاذب معه أطراف الحديث حول طبيعة الحياة والمعيشة في أزمنة سابقة , حين باغتهم تقطع ضوء المصابيح , ودار بينهما هذا الحديث :
أحمد : _ لم يتقطع الضوء ؟
الجد : _ بسبب زيادة الأحمال على الطاقة .
_ ولم تزيد الأحمال ؟
_ لأن في المدينة اكتضاض سكاني .
_وما السبب في وراء هذا الإكتضاض ؟
_ الهجرة للمدن .
_ ولماذا كان هناك هجرة للمدن ؟
_ لأن الفيضانات على الضِفاف جارفة .
_ وما سبب هذه الفيضانات ؟
_ ارتفاع منسوب المياه في المحيطات .
_ ولم ارتفع منسوب المياه ؟
_ بسبب ذوبان جليد القطبين .
_ وما سبب هذا الذوبان ؟
_ ارتفاع درجة حرارة الأرض .
_ ولم ارتفعت درجة حرارة الأرض ؟
_ لأن هناك ثقب يتّسع في طبقة الأوزون .
_ وما سبب هذا الثقب ؟
_ الأبخرة السامة المتصاعدة من محطات توليد الطاقة .


حينها أوقف سيله الهادر من الأسئلة , وبدأ يفكر بعمق ( هل الطاقة ضرورية لدرجة أن نتجاوز الآثار المدمرة لإنتاجها ؟ )

ومن لحظتها والفكرة تصاحبه كأنفاسه .

درس التطور الإنساني والتقدم الحضاري , ويوماً بعد يوم تزداد الفكرة رسوخاً و أصالة في نفسه .

يقول أحمد :

وفقاً للمنظمة الدولية ... للتقدم معايير يتم من خلالها تصنيف الدول إلى عالم أول وثاني وثالث .
ومن بين هذه المعايير معدل استخدام الطاقة ( الكهربائية وغيرها ) , فكالما زاد الإستخدام كان ذلك مؤشرا على التقدم . كذلك معدل استخدام المنظفات الصناعية وما شاكلها .
ولو أمعنا النظر في هذه المعايير لوجدنا أن معظمها تقود نحو هاوية الهلاك .

كما أن في دخول الآلة , والذي اُعتُبِرَ فتحاً حضاري دماراً لا يكاد يُصدق ... فحين بدأ المزارعون في استخدام الآلات الزراعية , كادت تنعدمت الحاجة للأيدي العاملة مما أوجد البطالة وساهم في الهجرة إلى المدن بحثاً عن فرص للعمل , وهذا بدوره ما ولّد الجرائم والانحرافات بأنواعها . وقس على ذلك .

وذا التلفاز ... والذي أبهر العالم واُخِذ كنقلة حضارية مميزة , لم تكن آثاره أحسن حالاً مما سبق , فعلى صعيد الزراعة كان تدميره واضحاً , فما أن تغلغل في المجتمعات الزراعية إلا وجرّ معه كل خراب تجرع الإنتاج ويلاته ... سهر العمال أمام الشاشة لأوقات متأخرةٍ منعتهم من القيام باكراً للعمل , وهذا ما أضعف الإنتاج وخار بالقِوى .

غيض من فيض يطول المقام بمن يحاول الإحاطة به .

إذن ... فما يوصف بالتقدم التكنولوجي , ماهو إلا مسيرةٌ جادة نحو تدمير البشرية وقتل كل معني للإنسانية ... وهذا بحِلٍ عن وتيرة متسارعة نشهدها الآن في مختلف الميادين لعل أبرزها ذلك التلاعب بجينات كل من النبات والحيوان وحتى الإنسان , وذلك التسابق على ابتكار أعظم وسائل الدمار الحاصدة عسكرياً .

العلوم الإنسانية والطبية تواكب هذا التقدم ( كما يزعمون ) ... ولكنهم لم يُدركوا بعد أن هذا لم يكن إلا تداركاً للدمار ... فلم تظهر الأمراض والأوبئة والإضطرابات النفسية والخلل الاجتماعي إلا بسبب تلك المنجزات المُدمرة ... فلو لم توجد _ هذه المنجزات _ , لما كان هناك مشاكل تدفع وتحث لإيجاد حلول علمية .

أرى أن المستقبل مُخيف للغاية بقدر ما يحوي من أمل ( يقول أحمد ) ... فالدلائل تشير إلا أنه سيأتي يوم يمثل آخر نقطة تفصلنا عن السقوط , يوم لا يكون هناك حاجة للحركة , فبالضغط على لوحة التحكم يأتيك كل ما تريد , يوم لا يعرف فيه الإنسان غير جهاز لا يرى سواه ولا يسمع إلا منه . يوم تتقطع فيه كل الصِلات بين أي إنسان وآخر خارج الشبكة المعلوماتية . يوم سيكون مغربُهُ ثورة عالمية عارمة تجتث كل انبهار وافتخار مزيف بحضارة لم تجلب سوى الخراب والدمار .

وليس ذلك ببدعة , ففي التأريخ ما يوحي بأنها دورة , تبدأ بالنشأة ثم الفتوة والازدهار وصولاً إلى الهلاك , وهكذا دواليك .

فالفراعنة وصلوا لما عجز عصرنا عن وصوله على الرغم من امتلاك كل الوسائل ... بنوا الأهرامات بهندسة وتقنية عجيبة , وابتدعوا مواد للتحنيط غريبة . أبدعوا في معظم المجالات حتى صاروا إلى هلاك .

الصينيون والهنود وغيرهم لم يكونوا أقل شأن من سابقيهم , وجرى عليهم ما جرى على غيرهم ... والغائب عن الكثيرين منا هو جهل العلماء بسبب أفول حضاراتهم ( إن جاز التعبير ) .

الثابت أن الإنسان في مسيرته يمر بأطوار أو مراحل اقتصادية , أولها مرحلة الجمع والالتقاط , وفيها يكون الإنسان سلبياً جداً تجاه الإنتاج , فما هو إلى هائم يبحث عن الطعام ( ويمكننا تشبيه هذه المرحلة بما عليه أكثر الحيوانات المستأنسة خصوصاً القِطط ) , ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الصيد ثم الرعي ثم الزراعة ثم الإنتاج البسيط فالمعقد وهو ما يُشكل القمة وفيه تكون فترة إزدهار الحضارة أو المدنية المتقدمة .



ومن كل ما سبق وبشيء من التأمل فيه ... يُجيب أحمد عن تساؤلاته السابقة بصوت مرتفع :

للقِطط عقول ضخمة تفوق في تفكيرها تفكير الإنسان .

ولا أدل على ذلك من كونها تدرك أن لو حاولت السير على خطى الإنسان لعادة منتكسة لما هي عليه الآن وبذكريات محزنة ومخجلة ... فآثرت البقاء وادخار الجهود والإحتفاظ بالشرف .
ثم ألم يصف الخالق العليم الإنسان بالظلوم الجهول ؟!!!

تحية للقِطط

__________


أحمد مجنون ... أسأل الله أن يُشفينا .







التوقيع :